محمد بن أحمد النهرواني
224
كتاب الإعلام بأعلام بيت الله الحرام
ومن عجيب ما وقع في ذلك أن جملا كان لجمال يقال له : « القاروني » جملة فوق طاقته فهرب من جمادى الآخر في تلك السنة من صاحبه ، ودخل المسجد الحرام ولم يزل يطوف بالبيت الشريف ، والناس حوله يريدون إمساكه فيعضّهم ، ولم يمكن أحدا من نفسه فتركوه إلى أن تم ثلاثة أسابيع ثم جاء إلى الحجر الأسود فقبله ، ثم توجه إلى مقام الحنفية ووقف هناك تجاه الميزاب الشريف فبرك عنده وبكى ! ! وألقى نفسه على الأرض ومات ! ! فحمله الناس إلى ما بين الصفا والمروة ودفنوه هناك . وفي هذه السنة عمرت أماكن من سقف المسجد الحرام ، وعقد له من جانب الركن اليماني المتصل بصحن المسجد ، وفي سنة 815 ه عمر شريف مكة - يومئذ - وهو الشريف حسن بن عجلان ( أدام اللّه دولته ) سعادته بالجانب الشمالي من المسجد الحرام البيمارستان الذي كان وقفا للمستنصر العباسي فخرب ودثر ، واستأجره من قاض القضاة بمكة - يومئذ - القاضي جمال السيد حسن بن عجلان بن ظهيره الشافعي إجارة طويلة مائة عام بأربعين ألف درهم ، وأذن القاضي جمال الدين للسيد حسن بن عجلان أن يصرف الأجرة المذكورة في عمارة ما تخرب من البيمارستان المذكورة عمارة حسنة ، وجدد فيه أبوابا وصهريجا ووقف جميع ذلك مما عمّره . وفيهما يستحق الانتفاع به على الفقراء والمساكين والمرض والمنقطعين يأوون قيه علوا وسفلا وينتفعون بالإقامة والسكنى فيه لا يزعجهم أحد ولا يخرجهم ، بل يستمرون إلى أن يحصل لهم الشفاء والفاقة ، فيخرجون باختيارهم ، فإذا خلا البيمارستان عن المرضى عاد الانتفاع لهم ، وكتب بذلك كتاب وقف على الصورة المشروحة ، وجعل النظر على ذلك لولده بركات وأخيه ثم بعدهما للأرشد فالأرشد من ذريته من ولد الظهر لا البطن . وثبت ذلك وحكم بصحته القاضي السيد رضى الدين أبو حامد محمد بن عبد الرحمن الفارسي الحسنى المالكي في يوم الجمعة لعشرين مضين من صفر سنة 819 ، وإنما استحكم فيه المالكي لأن متأخريهم أجازوا وقف النافع ، وهو خلاف رأى أبي حنيفة والشافعي ( رحمهم اللّه تعالى ) .